ابن عجيبة
388
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الخلل بينكم ، حتى تختلف قلوبكم ورأيكم ، فيذهب ريح نصركم ، وَفِيكُمْ قوم سَمَّاعُونَ لَهُمْ ؛ فيقبلون قولهم ، إما بحسن الظن بهم ، أو لنفاق بهم ، فيقع الخلل بسبب قبول قولهم ، أو فيكم سماعون لأخباركم فينقلونه إلى غيركم ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ؛ فيعلم ضمائرهم ، وما ينشأ عنهم ، وسيجازيهم على فعلهم . لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ أي : تشتيت أمرك وتفريق أصحابك مِنْ قَبْلُ أي : من قبل هذا الوقت ، كرجوعهم عنك يوم أحد ، ليوقعوا الفشل في الناس ، وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ أي : دبروها من كل وجه ، فدبروا الحيل ، ودوروا الآراء في إبطال أمرك ، فأبطل اللّه سعيهم ، حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ أي : علا دينه ، وَهُمْ كارِهُونَ أي : على رغم أنفهم ، والآيتان تسلية للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين على تخلفهم ، وبيان ما ثبطهم اللّه لأجله وكره انبعاثهم له ، وهتك أستارهم ، وكشف أسرارهم ، وإزاحة اعتذارهم . انظر البيضاوي . الإشارة : الناس على ثلاثة أقسام : قسم أقامهم الحق تعالى لخدمة أنفسهم وحظوظهم ؛ عدلا . وقسم أقامهم الحق تعالى لخدمة معبودهم ؛ فضلا . وقسم اختصهم بالتوجه إلى محبوبهم ؛ رحمة وفضلا . فالأولون : أثقلهم بكثرة الشواغل والعلائق ، ولو أرادوا الخروج منها لأعدوا له عدة بالتخفيف والزهد ، ولكن كره اللّه انبعاثهم فثبطهم ، وقيل : اقعدوا مع القاعدين ، أقامهم لإصلاح عالم الحكمة ، وأما أهل الخدمة : فرآهم لم يصلحوا لصريح معرفته ، فشغلهم بخدمته ، ولو أرادوا الخروج من سجن الخدمة إلى فضاء المعرفة لأعدوا له عدة ؛ بصحبة أهل المعرفة الكاملة . وأما أهل التوجه إلى محبته وصريح معرفته فلم يشغلهم بشئ ، ولم يتركهم مع شئ ، بل اختصهم بمحبته ، وقام لهم بوجود قسمته ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ « 1 » . وكل قسم لو دخل مع من فوقه على ما هو عليه ، لأفسده ، وما زاده إلا خبالا وشرا . واللّه تعالى أعلم . ولما دعا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الناس إلى غزوة تبوك ، قال له الجدّ بن قيس - من كبار المنافقين - : ائذن لي في القعود ، ولا تفتني برؤية بنات بنى الأصفر ، فإني لا أصبر على النساء ، فأنزل اللّه في شأنه « 2 » : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 49 إلى 50 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 49 ) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ( 50 )
--> ( 1 ) الآية 74 من سورة آل عمران . ( 2 ) أخرجه مطولا ابن جرير في التفسير ( 10 / 104 ) وذكره الواحدي في الأسباب ( 252 ) ، من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس رضى اللّه عنه .